طالما تخيّلتُ لحظةَ اللقاء به، كأنّها موعدٌ مؤجَّل مع الغياب. اعتُقل قبل ولادتي، وقضى أربعةَ عشرَ شهرًا خلف القضبان، وحين تحرّر كنتُ في عامي الأوّل. أمّا آخرُ اعتقالٍ له فكان وأنا في الرابعة من عمري. وبحسابٍ باردٍ للأرقام، لم أنعم بوجود والدي سوى ثلاثة أعوام من أصل سبعةٍ وعشرين عامًا من حياتي. لا أملك له في ذاكرتي أرشيفًا من الصور، سوى مشهدٍ واحدٍ صغير، نجا من النسيان رغم هشاشة العمر.
أذكره جيّدًا وهو يمسك بيدي، ويجلب لي بوظةً بطعم العنب. كانت ذائبةً من شدّة الحر، فاقتسمناها في أطباقٍ بسيطة، وأكلناها معًا. ومنذ ذلك اليوم، ظلّت تلك اللحظة ذاكرتي الوحيدة عنه؛ ذكرى تذوب كلّما استحضرتها، كما ذابت تلك البوظة في ذلك النهار البعيد. عشتُ لسنواتٍ أنتظر أن يُدقّ باب بيتي، وما زلتُ أنتظر.
قصتي.. إيمان محمد عرمان
طالما تخيّلتُ لحظةَ اللقاء به، كأنّها موعدٌ مؤجَّل مع الغياب. اعتُقل قبل ولادتي، وقضى أربعةَ عشرَ شهرًا خلف القضبان، وحين تحرّر كنتُ في عامي الأوّل. أمّا آخرُ اعتقالٍ له فكان وأنا في الرابعة من عمري. وبحسابٍ باردٍ للأرقام، لم أنعم بوجود والدي سوى ثلاثة أعوام من أصل سبعةٍ وعشرين عامًا من حياتي. لا أملك له في ذاكرتي أرشيفًا من الصور، سوى مشهدٍ واحدٍ صغير، نجا من النسيان رغم هشاشة العمر. أذكره جيّدًا وهو يمسك بيدي، ويجلب لي بوظةً بطعم العنب. كانت ذائبةً من شدّة الحر، فاقتسمناها في أطباقٍ بسيطة، وأكلناها معًا. ومنذ ذلك اليوم، ظلّت تلك اللحظة ذاكرتي الوحيدة عنه؛ ذكرى تذوب كلّما استحضرتها، كما ذابت تلك البوظة في ذلك النهار البعيد. عشتُ لسنواتٍ أنتظر أن يُدقّ باب بيتي، وما زلتُ أنتظر.
قصتي